ابن الجوزي
253
دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه
هارون : ما زلنا نعرفه بالكذب . وأما الفضل بن عيسى ( 194 ) فقال أيوب السختياني : لو خلق أخرس كان خيرا له ، وقال ابن عيينة : الفضل بن عيسى لا شئ ، وقال يحيى : هو رجل سوء . الحديث الثالث والأربعون روى القاضي أبو يعلى ( المجسم ) عن حسان بن عطية أنه قال : " الساجد يسجد على قدم الرحمن " . قلت : هذا قول تابعي ، وهو مثل المقرب من فضل الله تعالى ، وأثبت القاضي أبو يعلى ( المجسم ) بهذا وصف قدم ، وإنه يسجد على قدم حقيقة لا على وجه المماسة . الحديث الرابع والأربعون روى البخاري ( فتح 13 / 423 ) ومسلم ( 1 / 163 برقم 296 ) في الصحيحين من حديث أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وليس بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " ( 195 ) .
--> ( 194 ) أنظر الميزان ( 3 / 356 ) . ( 195 ) قال الحافظ ابن حجر في الفتح ( 13 / 432 ) : " قال عياض كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا ، وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها ، ومنه قوله تعالى ( جناح الذل ) فمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى ، ومن لم يفهم ذلك تاه فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم ومن لم يتضح له ، وعلم أن الله تعالى منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يؤولها ، كأن يقول استعار لعظم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء ، فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته انتهى ملخصا " ا ه . ثم قال الحافظ بعد ذلك بأسطر : " ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب ، وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراما لهم ، والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان ولفظ مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، يقول الله عز وجل : تريدون شيئا أزيدكم ؟ فيقولون : ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة ؟ قال : فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه " . ثم تلا هذه الآية ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى ، ولعله أشار إلى تأويله به " ا ه . وقال ابن بطال كما في الفتح ( 13 / 433 ) : " لا تعلق للمجسمة في إثبات المكان لما ثبت من استحالة أن يكون سبحانه جسما أو حالا في مكان ، فيكون تأويل الرداء : الآفة الموجودة لأبصارهم المانعة لهم من رؤيته . . . " ا ه .